حيدر حب الله

25

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

قبل فترة ، من أنّ الذكاء تحدّده علوم مثل الرياضيات ، فهناك من يتصوّر أنّ الذكاء الحوزوي يظهر فقط في مثل علم الأصول ، وقد تخلّى العالَم اليوم عن هذه النظرية ، وصاروا يتحدّثون عن أكثر من اثني عشر نوعاً من الذكاء عند البشر ، حتى وصلوا للذكاء العاطفي ، فقد أكون ذكياً في الرياضيات لكنّي غبي في التجارة ، فمن قال لي : إنّ ذكائي هذا مقدّم على ذكاء التجارة ، أو الأدب الذي أعجز أنا عنه ، وأسلّي نفسي بالذكاء في مجال آخر ، لأسقط ذكاءَ الآخرين ؟ ! إنّ هذه المباحث الأصولية ، على أهميّتها الفائقة وتأثيرها في تحديد المستوى العلمي للفقيه بلا شك ولا ريب ، بيد أنها - وهذا ما نريده بالضبط - ليست المعيار الأوّل فضلًا عن أن تكون المعيار الوحيد ؛ واللطيف الملفت في الأمر أنّ مثل هذه الأشياء عندما تجعل معياراً لا يهتمّ معها لكون هذا الفقيه مقلِّداً في علم الرجال والتاريخ واللغة والقرآنيات والأدب والمنطق وسنن التاريخ والاجتماع ، قد لا يعرف عنها - وعن واقع الحياة - الكثير ؛ فلماذا - إذاً - جعلت مسألة استصحاب العدم الأزلي أو توارد الحالتين أو التجرّي أو . . معياراً - من الدرجة الأولى - لعمق الاجتهاد ، فيما الغربة عن علوم هامّة مثل ما أشرنا إليه لا تشكّل أيّ منقصة أو نقطة ضعف تلاحظ في عملية التقويم والمقارنة ؟ ! وكم أمضت المؤسّسة الدينية من عمر طلابها لعقود طويلة في المعنى الحرفي ، فيما يقول السيد علي الخامنئي بأنّه لا يكاد يبتلي بأمثاله الفقيه إلا نادراً كلّ بضع سنوات ! ! من هنا ، نرى أنّ تحديد أعلمية شخص رهين بوضع معايير جديدة للتقويم ، وذلك بأن نعطي كلّ علم من العلوم الخادمة لعملية الاجتهاد ، درجةً حسابية معيّنة ، توازي دور هذا العلم في العملية الاجتهادية ، فالعلامة القصوى هي عن مائة مثلًا ، ونعطي للأصول - مثلًا - عشرين درجة ، فيما نعطي للغة عشر درجات ،